صبحي الصالح

32

مباحث في علوم القرآن

« عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ؟ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ؟ وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى . وَهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى . كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ » « 1 » . وأشد من هذا كله ما يوجه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم من الإنذار والتهديد ، في مثل قوله تعالى : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً » « 2 » . وهذا الانذار يبلغ القمة ، فيستصغر بعده كل تهديد وكل وعيد ، حين يقول اللّه : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ « 3 » . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ » « 4 » . وفي تفسير هذه الآيات يقول الزمخشري : « والمعنى : ولو ادّعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معالجة بالسخط والانتقام . فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، وهو أن يؤخذ بيده وتضرب عنقه » « 5 » . من خلال هذه الآيات المتوعدة المنذرة ، وتلك العاتبة المؤدبة ، يبدو لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مخلوقا ضعيفا بين يدي ربه ذي القدرة القاهرة ، والقوة الكبرى ، والإرادة التي لا معقب لها ، ويبدو لنا أيضا كامل الوعي للفرق بين ذاته المأمورة وذات اللّه الآمرة ؛ وبوعيه الكامل هذا كان عليه السلام يفرق بوضوح بين الوحي الذي ينزل عليه وبين أحاديثه الخاصة التي كان يعبر عنها بإلهام من اللّه : فما يجول في نفسه من خواطر وأفكار كان ذا صفة إنسانية محضة لا يمكن أن تختلط بالكلام الرباني . لذلك نهى عليه السلام أول العهد

--> ( 1 ) سورة الأعمى 1 - 11 . ( 2 ) الإسراء 74 - 75 . ( 3 ) الوتين : نياط القلب ، وهو حبل الوريد ، إذا قطع مات صاحبه . ( 4 ) الحاقة 44 - 47 . ( 5 ) الكشاف 4 / 137 .